الأيام

ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق

صحيفة الايام

@Alayam
العدد 9966 الجمعة 22 يوليو 2016 الموافق 17 شوال 1437

جاء في تفسير هذه الآية عند ابن كثير حول قتل النفس: وهذا مما نص تبارك وتعالى على النهي عنه تأكيدًا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وعند أبي داود والنسائي قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام وحارب الله ورسوله فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض)، وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان أنه قال وهو محصور: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس) فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلاً منه بعد إذ هداني الله، ولا قتلت نفسا، فبم تقتلونني؟ وكذلك جاء النهي والوعيد في قتل المعاهد، وهو المستأمن من أهل الحرب، فروى البخاري عن عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا: (من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا)، انتهى كلام ابن كثير.
وهذا توجيه حسن وجه إليه ابن كثير، وإن لم ينص عليه صراحة، وهو أن توجيه هذه الآية الكريمة ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق «الأنعام: 151» هو أمر بالنسبة للحاكم وولي الأمر الذي ينفذ شرع الله، وليس هذا خطابا للأفراد، لذلك قال: «إلا بالحق «الأنعام: 151»، وبينت الأحاديث السابقة موجبات القتل، وقال في فتح القدير: ولا تقتلوا النفس «الأنعام: 151» اللام في النفس للجنس، والتي حرم الله «الأنعام: 151» صفة للنفس، أي: لا تقتلوا شيئًا من الأنفس التي حرمها الله إلا بالحق «الأنعام: 151»، أي إلا بما يوجبه الحق، والاستثناء مفرغ، أي: لا تقتلوه في حال من الأحوال إلا في حال الحق، أو لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، ومن الحق قتلها قصاصا، وقتلها بسبب زنا المحصن، وقتلها بسبب الردة، ونحو ذلك من الأسباب التي ورد الشرع بها، اه فتح القدير.
وإن أمر النهي هنا أمر عام في قتل النفس، خاص في من يتولى أمر المسلمين بأن لا يقتل النفس إلا بالحق الموجب للقتل، وليس هذا خطابًا للأفراد كما في المنهيات السابقة، وهي عدم الشرك، والإحسان إلى الوالدين، وعدم قتل الأولاد من إملاق، وعدم إتيان الفواحش، فتلك المنهيات خطاب للجميع، أي: لجميع المؤمنين، أفرادا وجماعات وأولياء أمور، إنما في القتل هو نهي لعموم القتل لجميع المؤمنين، وتقبيح للقتل بغير الحق، وهو نهي أيضا على وجه الخصوص لولي أمر المسلمين ألا يباشره إلا بالحق، لأن من له سلطة الحكم هو ولي الأمر، لا أفراد المسلمين، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان الآمر في تنفيذ العقوبات بعد الحكم عليها، وكذلك خاطب الله نبيه داود فقال: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله «ص: 26»، وكل من يتولى أمر المسلمين هو الذي يعمل على تطبيق شريعة الله، فينفذ العقوبات بالجناة والمجرمين، ومن استحقوا ذلك بحكم الشرع، وقد ورد في تعريف الإمامة - أي: الخلافة - لبعض الفقهاء: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين، وسياسة الدنيا به»، ولذلك على ولي الأمر ألا يمتنع من إقامة حدود الله.
ومن هذا نخلص إلى أن الأمر في تنفيذ أحكام الله لولي الأمر، لا للأفراد، وإلا فستقع الفتن بدعوى أخذ كل إنسان حقه بتنفيذ العقوبات بغريمه، لذلك ورد في المغني «لا يجوز استيفاء القصاص إلا بحضرة السلطان»، وذلك حتى لا يتجاوز ولي المقتول في تعذيب القاتل قبل قتله، أو التنكيل به، أو ضربه بسيف مفلول، ومع ذلك فإنه لا يصح لولي المقتول تنفيذ القتل إلا بحكم من ولي الأمر، ففي صحيح مسلم أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يقود آخر بنسعة، فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقتلته؟»، فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة، قال: نعم، قتلته، قال: «كيف قتلته؟»، قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة - أي نضربها بالعصا ليسقط ورقها - فسبني، فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه، فقتلته، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل لك من شيء تؤديه عن نفسك؟»، قال: ما لي من مال إلا كسائي وفأسي، قال: «أترى قومك يشرونك؟»، قال: أنا أهون على قومي من ذلك، فرمى إليه رسول الله بنسعته - وهو سير من الجلد تربط به الدابة - وقال: «دونك صاحبك»، فانطلق به الرجل، فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن قتله فهو مثله)، فرجع الرجل إليه فقال: بلغني أنك قلت: «إن قتله فهو مثله»، وما أخذته إلا بأمرك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما تريد أن يبوء بإثمه وإثم صاحبك؟»، قال: بلى يا نبي الله، فإن ذاك كذلك، قال فرمى بنسعته وخلى سبيله.

كلمات مفتاحية
Show more